أحمد بن محمد مسكويه الرازي

300

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

وانما يحسن العيش وتطيب الحياة بالظن الجميل والأمل القوي ، وترك الفكر في كل ما يمكن أن لا يقع من المكاره . وأما ما كان سببه سوء اختيارنا وجنايتنا على أنفسنا ، فينبغي أن تحترز منه بترك الذنوب والجنايات التي نخاف عواقبها ، ولا نقدم على أمر لا تؤمن غائلته ، فان هذا فعل من نسي أن الممكن هو الذي يجوز أن يكون ويجوز أن لا يكون . وذلك أنه إذا أتى ذنبا أو جنى جناية قدّر في نفسه انه يخفى ولا يظهر أو لا يخفى فيظهر الا انه يتجاوز عنه ، أو لا تكون له غائلة وكأنّه يجعل طبيعة الممكن واجبا ، كما أن صاحب القسم الأول يجعل أيضا الممكن واجبا إلّا أنّ هذا يأمن الجانب المحذور خاصة ، وذلك يخاف الجانب المأمون خاصة ، وأعني بهذا أن الممكن لما كان متوسطا بين الجانب الواجب والجانب الممتنع ، ومثال ذلك خط أج ب فنقطة أهي الجانب الواجب ، ونقطة ب هي الجانب الممتنع ، وموضع ج هو الممكن ، وبعده من الجانبين بعد واحد فله إلى نقطة أجهة ، وله إلى نقطة ب جهة ، فإذا صار مستقبله ماضيا بطل اسم الممكن عنه ، وحصل اما في جانب الواجب واما في الجانب الممتنع ، وليس يصح ما دام ممكنا أن يحسب لا من هذا الجانب ولا من ذاك الجانب ، بل نعتقد فيه طبيعته الخاصة به ، وهو أنه يمكن ان يصير إلى ههنا أو إلى هناك ، ولهذا قال الحكيم : « وجوه الأمور الممكنة في أعقابها » . وأما الأمور الضرورية كالهرم وتوابعه فعلاج الخوف منه ان نعلم أن الإنسان إذا احبّ طول الحياة فقد أحب لا محالة الهرم ، واستشعره استشعار ما لا بد منه ، ومع الهرم يحدث نقصان الحرارة الغريزية والرطوبة الأصليّة التابعة لها ، وغلبة ضديهما من البرد واليبس وضعف الأعضاء الأصليّة كلها ، ويتبع ذلك قلة الحركة وبطلان